رأي
الجمعة 04 يناير 2019 07:28 مساءً

في عمق الوعي النمطي (5)

د . محمد حميد غلاب الحسامي

 

خامسا : أسباب وعوامل الوعي النمطي السلبي

تحدثنا سابقا حول الوعي النمطي بصفتيه الإيجابية والسلبية بشكل خاص وهذا ما نحن بصدد إستكماله، مقدمة وتعريفا وسماتا وخصائصا ومظاهرا،.
وقبل الدخول في تلك الأسباب والعوامل التي أدت إلى ذلك الوعي النمطي السلبي متمثلا بالصورة النمطية السلبية تجاه الآخر المغاير...لابد بأن أشير إلى نقطتين مهمتين حتى تتضح الصورة والرؤية التي أريد إيصالها:
النقطة الأولى : أنني شخصيا هنا ومن خلال ارتباط تلك الأفكار النمطية..،التي شكلت ذلك الوعي النمطي السلبي متمثلا بالصورة النمطية السلبية، مع تطور المجتمعات ووسائل الإنتاج لست بصدد إثبات أو نفي أيهما أولا، هل الفكرة هي التي أنتجت وسائل الإنتاج وطورتها أم العكس ، إذ أن ذلك محل نقاشات فكرية متعددة وايدلوجيات متعددة وعديدة لها رموزها من مفكرين وفلاسفة وعلماء إجتماع وحتى علماء نفس والتي أثرت ومازالت في الفكر الإنساني العالمي حتى الآن، حيث لا أدعي بأنني قادر على الخوض في ذلك...
ثانيا : أنني شخصيا هنا لا أنظر إلى تلك الأسباب والعوامل...من خلال " نظرية الهوية الإجتماعية" و " نظرية نواة الحقيقة " و " نظرية المعرفة " و " نظرية التصنيف الذاتي " وغيرها من النظريات الأخرى المتصلة بالعلوم الاجتماعية وخاصة علم النفس الاجتماعي منها، التي حاول أصحابها تفسير تلك الأسباب والعوامل..وذلك ببساطة شديدة لأنني لا أمتلك المقدرة والمعرفة الخوض في ذلك...
وعودة إلى تلك الأسباب والعوامل التي أدت إلى ذلك الوعي النمطي السلبي متمثلا بالصورة النمطية السلبية، فإن ذلك الوعي...ماكان له بأن يكون ويحصل لولا وجود عدة أسباب وعوامل أدت إليه ، تلك الأسباب والعوامل التي أدت إلى ذلك..ليست وليدة الصدفة واللحظة، إنما لها جذور تاريخية قديمة وحديثة، وليست وليدة سبب واحد وعامل واحد ،إنما هي نتيجة لعدة أسباب وعوامل مجتمعة أدت إلى ذلك..، طبعا مع الأخذ بعين الاعتبار بأن هناك سببا وعاملا أكثر تأثيرا وأشد خطرا من غيره، لكنني أؤكد وهذا ما أنا شخصيا مقتنعا ومؤمنا به بأن بذرة تشكل وتشكيل ذلك الوعي النمطي السلبي متمثلا بالصورة النمطية السلبية تجاه الآخر المغاير..بدأت منذ وجد الإنسان على هذه البسيطة ومنذ بدأ الصراع بين الإنسان وأخيه الإنسان ثم ومع تطور المجتمعات البشرية ومع ما ارتبط بذلك التطور من تطور لحاجيات وحاجات الإنسان ومع ما نتج عن ذلك من صراعات بينهم على البقاء، تطورت تلك النمطية في المجتمعات البشرية إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه الآن، وما تجارة الرقيق في عصرنا الحاضر إلا إحدى إفرازات ذلك الوعي النمطي السلبي متمثلا بالصورة النمطية السلبية تجاه الآخر المغاير...
تلك الأسباب والعوامل، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر وباختصار شديد، ما يلي :

أولا : الأسباب والعوامل التاريخية

تلك الأسباب والعوامل التاريخية التي ارتبطت بالإنسان الفرد والإنسان المجتمع منذ وجوده على هذه البسيطة...
تمثلت تلك الأسباب والعوامل التاريخية بالصراعات التي قامت بين أفراد المجتمع ومكوناته المختلفة ودوله ودويلاته التي قامت عليه، والتي غالبا ما كانت تؤدي إلى إنتصار فريق على آخر..بما يفرضه ذلك الإنتصار من قبل المنتصرين وما يترتب عليه من إزالة الآخر..ومحو وجوده المادي الجسدي أو محو وجوده الكياني المعنوي، غنيمة وفيدا وسبيا واستعبادا واسترقاقا، مما يشكل تلك الصورة النمطية السلبية تجاه المهزومين في وعي وسلوكيات وتصرفات المنتصرين وبما ينتج عنه من آثار سلبية خطيرة على وعي ووجدان ونفوس المهزومين،هذا أولا
ثانيا : لعبت الغزوات التاريخية المتتالية دورا مهما في تشكيل وتشكل الوعي النمطي السلبي متمثلا بالصورة النمطية السلبية تجاه الآخر المغاير..، ذلك الآخر المغاير هنا تمثل بالغزاة..،حيث وبعد أن تم دحرهم من البلاد والقضى عليهم بقيت فئة قليلة منهم، فما كان من أبناء البلد الاصليين المنتصرين إلا الإنتقام ممن تبقى من الغزاة، الذين ظلوا في البلد ولم يستطيعوا مغادرتها لأسباب مختلفة...، تمثل ذلك الإنتقام بعدم الإعتراف بهم كمكون أساسي من مكونات المجتمع المختلفة وحرصهم بل وفرض عليهم الإقامة في كانتونات وجيتونات جغرافية محددة مع السماح لهم بممارسة أحط المهن لخدمة أسيادهم!!طبعا من وجهة نظر المنتصرين، ومن ثم شكلت تلك الأفكار النمطية السلبية تجاههم وعيا نمطيا سلبيا متمثلا بالصورة النمطية السلبية تجاههم، "المهمشين " عرقيا واثنيا وبعضا من أصحاب بعض المهن، الحلاقة والجزارة والحدادة..إلخ، خير مثال على ذلك...

ثانيا : الأسباب والعوامل الفقهية الدينية

إن للأديان والعقائد دورا مهما في حياة الأفراد والمجتمعات لما تمثلة من زاد روحي لهم ولما تمثله من خلاص لهم مما هم فيه..وعليه..من الضيم والجور والاستغلال والاستعباد، لذلك فإن للأسباب والعوامل الفقهية الدينية دورا مهما في تكريس الصورة النمطية السلبية تجاه الآخر المغاير..إذا ما استغلت من قبل السلاطين والسلطات وفقائها ومثقفيها ومنظريها والمحللين لها والمحرمين علي غيرها والمحرمين عليها والمحللين لغيرها،.
تلك العوامل ليست جوهر الدين بحد ذاته، إنما ذلك الإستغلال من قبل تلك السلطات والسلاطين..للدين وتأويله من قبل فقهاء ومثقفي السلطات والسلاطين لخدمة الأجندة الخاصة بتلك السلطات والسلاطين..ومن ثم تكوين صورة نمطية سلبية تجاه الآخر المغاير، الكفار مثالا للمظاهر الدينية والمرأة مثالا للمظاهر الجندرية والأفضلية والاحقية مثالا للمظاهر السلالية والأسرية وللمظاهر السياسية الحاكمة والمتسلطة،...إلخ.
حيث تحول الدين أخيرا من " دين الله " الذي ارتضاه لعباده ليخلصهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، إلى " دين!! السلطات والسلاطين " دين!! الفقهاء " ليخلص العباد من عبادة رب العباد إلى عبادة العباد ممثلا بالسلطات والسلاطين...

ثالثا : الأسباب والعوامل الجغرافية

وأقصد بها تلك الطبيعة الجغرافية للبلد متمثلة بالجبال العالية والوعرة والتي مثلت وبفعل عوامل عديدة سببا من الأسباب وعاملا من العوامل التي شكلت الوعي النمطي السلبي متمثلا بالصورة النمطية السلبية تجاه الآخر المغاير..ومع عدم وجود الدولة التي تستطيع إدماج مكونات المجتمع المختلفة في مجتمع واحد، حيث شكلت كل عزلة من العزل بل كل جزء من تلك العزل إذا لم تكن كل قرية مجتمعا منفصلا عن الأخرى، لها حدودها الخاصة بها وعاداتها وتقاليدها ونمط الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لها، وكانت بمثابة عالم منفصل عن غيرها بكل ما تحمله كلمة منفصل من معنى، حيث أن لكل منها لهجتها الخاصة بها، ولكم أن تتخيلوا كم من الوقت يحتاج مجمع سكاني بشري محدد لتكوين لهجته الخاصة به، وهذا أكبر دليل على تلك الانغلاقية لتلك التجمعات السكانية البشرية ومدى انفصالها عن الأخرى، كل ذلك أدى إلى عدم التعارف فيما بينها وصبغة تلك العلاقة فيما بينها بصبغة التوجس والشك والريبة وقد يصل الأمر إلى العدائية وهذا هو السائد للأسف، إذ كما يقال بأن الناس أعداء حتى يتعارفوا، كل ذلك ساهم في تشكيل وتشكل ذلك الوعي النمطي السلبي متمثلا بالصورة النمطية السلبية تجاه بعضها البعض وفيما بينها...إلخ.

رابعا : الأسباب والعوامل الاقتصادية

إن للأسباب والعوامل الاقتصادية دورا مهما في عملية تشكيل وتشكل الوعي النمطي السلبي متمثلا بالصورة النمطية السلبية تجاه الآخر المغاير..وذلك بحكم محدودية الموارد الاقتصادية في بعض المناطق بل وندرتها وعدم وجودها في بعض المناطق الأخرى، مع توفرها في مناطق أخرى ومع عدم وجود الدولة التي تنظم توزيع تلك الموارد وتضمنها للسكان وتنضمها، كل ذلك أدى إلى شيوع ظاهرة الغزوات الداخلية بغرض الإستيلاء والحصول على تلك الموارد من قبل التجمعات السكانية التي لا تمتلكها بما نتج عن ذلك من آثار خطيرة ووخيمة على المجتمع بفعل المنتصر والمهزوم وشكلت العدائية جوهر العلاقات بينها مما أدى أخيرا إلى تشكل وتشكيل وعي نمطي سلبي متمثلا بالصورة النمطية السلبية تجاه الآخر المغاير" المنتصر والمهزم"...إلخ.

خامسا : الأسباب والعوامل الاجتماعية

تلك الأسباب والعوامل الاجتماعية متمثلة بالتنشئة الاجتماعية السلبية، بيتية كانت أم أسرية أم إجتماعية أم كل ذلك، للأفراد والجماعات تجاه بعضها البعض وفيما بينها، وما كان لتلك التنشئة الاجتماعية السلبية أن تكون لولا توفر الأسباب والعوامل الأخرى سالفة الذكر، حيث مثلت تلك التنشئة الاجتماعية حجر الأساس في تشكل وتشكيل الوعي النمطي السلبي متمثلا بالصورة النمطية السلبية تجاه الآخر المغاير...إلخ.

سادسا : وقبل ذلك كله والأهم من كل ذلك ومصدر ومنبع ذلك كله الجهل والتخلف والفقر :

حيث يعتبر الجهل والتخلف والفقر المصدر الرئيسي لكل الأسباب والعوامل سالفة الذكر، فالجهل مرتبط ارتباطا وثيقا بالرذيلة ومتى تفشى الجهل في أي مجتمع من المجتمعات تفشت الرذيلة بكل أنواعها وأشكالها وصورها ومسمياتها واسمائها ومنها الوعي النمطي السلبي متمثلا بالصورة النمطية السلبية تجاه الآخر المغاير،
ف" رأس الجهل هو معاداة الناس " كما يقول الإمام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه،
و" الفضيلة هي المعرفة"كما يقول الفيلسوف اليوناني سقراط، والتخلف أيضا مصدرا من مصادر الوعي النمطي السلبي متمثلا بالصورة النمطية السلبية تجاه الآخر المغاير..حيث يقول فكتور هوجو" إن نكبة المجتمع هي الظلام أو الجهل"...
أما الفقر فهو مصدر كل الآفات الاجتماعية ومنها الوعي النمطي السلبي متمثلا بالصورة النمطية السلبية تجاه الآخر المغاير..ف"الفقر يكاد أن يكون كفرا" وكذلك فإن " الفقر أسوأ أشكال العنف" كما يقول المهاتما غاندي.


وعليه :
فإن الخروج مما نحن فيه..وعليه..من وعي نمطي سلبي متمثلا بالصورة النمطية السلبية تجاه بعضنا البعض وفيما بيننا، لا يمكن له بأن يكون ويتم ويحصل ويصبح واقعا معاشا وملموسا في حياتنا اليومية وفي نظرتنا إلى بعضنا البعض وتعاملنا بصورة نمطية إيجابية إلا بإعادة بناء الدولة المنهارة، دولة العصبيات الضيقة والمقيتة، على أسس مدنية حديثة وصولا إلى إقامة الدولة المدنية الحديثة بركائزها الأساسية....
فالدولة المدينة الحديثة بركائزها الأساسية...هي السبيل الوحيد والأوحد أمامنا جميعا للخروج من كل ذلك وهي الضمان الوحيد والأوحد لعدم تكراره وهي قدر الصهر الوطني الذي تصهر فيه كل أنواع وأشكال وصور تلك العصبيات الضيقة والمقيتة وكل الولاءات لها وتكسير كل القيود والاغلال العصبية والمقيتة التي تكبلنا وتقيدنا جميعا، وعيا نمطيا سلبيا " تجاه بعضنا البعض، وهي السبيل الوحيد والأوحد للتحليق عاليا في الفضاء الوطني والقومي ومن ثم الإنساني الأوسع والأرحب...إلخ.


#الخلاصة :
إنها الدولة المدنية الحديثة بركائزها الأساسية...ولا شيء سواها

"يتبع"

 

جميع الحقوق محفوظة لـ [نافذة اليمن] ©2019
تطوير واستضافة
YOU for information technology